فخر الدين الرازي
159
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفا بالأواهية والحليمية منعه اللّه تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر ، فلأن يكون غيره ممنوعا من هذا المعنى كان أولى . المسألة الثانية : دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه . قال تعالى حكاية عنه وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [ الشعراء : 86 ] وأيضا قال عنه : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [ إبراهيم : 41 ] وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال : سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [ مريم : 47 ] وقال أيضا : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [ الممتحنة : 4 ] وثبت أن الاستغفار للكافر لا يجوز . فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه السلام . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بقوله : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [ التوبة : 114 ] وفيه قولان : الأول : أن يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام ، والمعنى : أن أباه وعده أن يؤمن ، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر له لأجل أن يحصل هذا المعنى ، فلما تبين له أنه لا يؤمن وأنه عدو للّه تبرأ منه ، وترك ذلك الاستغفار . الثاني : أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام ، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ والدليل على صحة هذا التأويل قراءة الحسن وعدها أباه بالباء ، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين آخرين . الوجه الأول : المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان والإسلام ، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران ، وكان يتضرع إلى اللّه في أن يرزقه الإيمان / الذي يوجب المغفرة ، فهذا هو الاستغفار ، فلما أخبره اللّه تعالى بأنه يموت مصرا على الكفر ترك تلك الدعوة . والوجه الثاني : في الجواب أن من الناس من حمل قوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 113 ] على صلاة الجنازة ، وبهذا الطريق فلا امتناع في الاستغفار للكافر لكون الفائدة في ذلك الاستغفار تخفيف العقاب . قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه ، أنه تعالى منع من الصلاة على المنافقين ، وهو قوله : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [ التوبة : 84 ] وفي هذه الآية عم هذا الحكم ، ومنع من الصلاة على المشركين ، سواء كان منافقا أو كان مظهرا لذلك الشرك وهذا قول غريب . المسألة الثالثة : اختلفوا في السبب الذي به تبين لإبراهيم أن أباه عدو للّه . فقال بعضهم : بالإصرار والموت . وقال بعضهم : بالإصرار وحده . وقال آخرون : لا يبعد أن اللّه تعالى عرفه ذلك بالوحي ، وعند ذلك تبرأ منه . فكان تعالى يقول : لما تبين لإبراهيم أن أباه عدو للّه تبرأ منه ، فكونوا كذلك ، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [ النساء : 125 ] . واعلم أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة . قال : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التوبة : 114 ] واعلم أن اشتقاق الأواه من قول الرجل عند شدة حزنه أوه ، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في داخل القلب ويشتد حرقه ، فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ ، وللمفسرين فيه عبارات ، روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الأواه : الخاشع المتضرع » و عن عمر : أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الأواه ، فقال : « الدعاء » و يروى أن زينب تكلمت عند الرسول عليه الصلاة